رسالة من الولايات المتحدة إلى القيادة في ليبيا

هذه رسالة مفتوحة من سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، إلى القيادة السياسية والعسكرية في ليبيا والشعب الليبي

آخذ قلمي لأكتب انطلاقا من قلقي العميق إزاء تهديد قاتل لليبيا يلوح في الأفق. بدون استجابة قوية وموحدة، سيكون بمقدور وباء فيروس كورونا المستجد التفشي بسرعة ليخلق حالة طوارئ واسعة النطاق في مجال الصحة العامة، وينشر المرض والموت بين صفوف الجنود والمدنيين على حد سواء. لم يشهد العالم وباءً مماثلا منذ أكثر من 100 عام، وضمان نجاة ليبيا منه دون خسائر كارثية يتطلّب قيادة شجاعة وعمل فردي. وبينما أشاهد بلادي تواجه ارتفاعًا حادًا في الإصابات المؤكدة، أحث الليبيين بشدة على اتخاذ هذه الخطوات قبل التفشي المتوقع:

وقف القتال: إنّ وقف الأعمال العدائية ضرورة مطلقة لإعطاء سلطات الصحة العامة في جميع أنحاء ليبيا الفرصة للتآزر ومضافرة الجهود بروح من التماسك الوطني، لاحتواء تفشي هذا الوباء والتغلّب عليه. ولسوء الحظ، فإنّ الأمراض المعدية تزدهر في زمن الحرب، وهذا الوباء الفيروسي القاتل يمكن أن ينتشر بسهولة بين أولئك الذين يقاتلون على الخطوط الأمامية ويُثقل كاهل المرافق الصحية بسرعة. وقد عبرت كلّ من حكومة الوفاق الوطني التابعة لرئيس الوزراء السراج والقوات المسلحة العربية الليبية بقيادة المشير خليفة حفتر عن نيتهما في الالتزام بالهدنة الإنسانية. وللأسف، بينما يتهم كل طرف الطرف الآخر بانتهاك الهدنة، تصاعد القتال بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة، ممّا يعرّض عمال الرعاية الصحية للخطر ويصرف الليبيين عن المهمة الأكثر إلحاحًا المتمثلة في مواجهة عدونا المشترك: فيروس كورنا المستجد. وأفضل نهج لتجسيد الهدنة الإنسانية هو أن يقوم المشير حفتر بتعليق حملته على طرابلس بما يسمح للجانبين بالعودة إلى مسودة وقف إطلاق النار الذي تمّ وضعه من خلال مفاوضات 5 + 5 التي يسرتها البعثة الأممية في جنيف. كما أدعو كلي الطرفين إلى إعلان تجميد فوري لنشر المقاتلين الأجانب، الذين يخاطرون بنشر المزيد من وباء فريروس كورونا المستجد في ليبيا. وتقرّ الولايات المتحدة أيضًا بأنّ الأطراف الخارجية مسؤولة عن تأجيج الصراع، وهي بصدد معالجة ذلك الأمر عبر القنوات الدبلوماسية.

دفع المرتبات: يحتاج الليبيون إلى مصدر دخل ثابت لمواجهة هذه الأزمة، ويعتمد الكثير من الليبيين على أجور القطاع العام. ولسوء الحظ، منذ شهر يناير، لم يتم دفع الرواتب العامة بانتظام. ومهما كانت مبرّرات حجب المدفوعات ، فيجب استئناف دفع الرواتب على الفور دون شروط، مع إعطاء الأولوية للعاملين في القطاع الصحي الذين هم في الخطوط الأمامية ضدّ وباء فيروس كورونا. إذ ينبغي أن يكون الأطباء والممرضات واثقين من قدرتهم على توفير رفاههم ورفاهية عائلاتهم. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ إعادة إنتاج النفط في ليبيا أمر بالغ الأهمية لضمان حصول السلطات الليبية على عائدات كافية لدفع الرواتب والنقد الأجنبي لشراء المعدات الطبية التي تشتد الحاجة إليها، مثل معدات الحماية الشخصية وأدوات الاختبار والأكسجين وأجهزة التهوية الطبية. وعلاوة على ذلك، إذا كان لدى ليبيا أي أمل في الحصول على مساعدة دولية بعد انتشار هذا الفيروس، فيجب إدخال تحسينات على المؤسسات. إنّ السماح بمراجعة خارجية لحسابات مصرف ليبيا المركزي سيكون خطوة سهلة تُظهر للعالم أنّ القادة الليبيين ملتزمون بالشفافية ومحاربة الفساد؛ ومثل هذا التدقيق جاهز للبدء ولكن لسبب ظلّ عالقًا. وهذا سيؤذي الليبيين.

  علاج المرضى: يُعتبر فيروس كورونا المستجد وباء شديد العدوى. ويجب عزل أي شخص تظهر عليه الأعراض ومعالجته في مكان آمن لمنع المزيد من العدوى. وتواصل الولايات المتحدة دعمها لقطاع الصحة العامة التابع للسلطات الليبية، من خلال عملنا مع منظمة الصحة العالمية وعدد من المنظمات غير الحكومية الدولية. وأنا قلق من أنّ الإمدادات الطبية الحرجة التي اشترتها منظمة الصحة العالمية – بما في ذلك أدوات اختبار فيروس كورونا، ومعدّات الحماية، والمضادات الحيوية، والأنسولين- تظلّ عالقة في موانئ طرابلس ومصراتة وبنغازي، بسبب التأخير من طرف سلطات الجمارك ومركز الرقابة على الأغذية والأدوية الليبية. وأدعو السلطات المعنية إلى الإفراج الفوري عن هذه الإمدادات. و يجب أن يُسمح للسكان في ليبيا ذوي الوضع غير القانوني، مثل النازحين والمهاجرين واللاجئين، بالحصول على الرعاية الصحية اللازمة في هذا الوقت الحرج. إنّ رفض علاج هؤلاء السكان لن يؤدي إلاّ إلى زيادة انتشار الفيروس بين الليبيين.

إنّني أشارككم هذه الأفكار انطلاقاً من اهتمام الولايات المتحدة الحقيقي برفاهية الليبيين واستقرار ليبيا. وللولايات المتحدة تاريخ طويل في العمل مع ليبيا لتحسين بنيتها التحتية الصحية وسنواصل هذه الجهود، ولكن لا يمكن لأي قدر من المساعدة الخارجية تعويض ما يجب على الليبيين أنفسهم القيام به لمواجهة هذا الفيروس الفتاك.

وبينما آمل أن القادة سيعالجون ا القضايا التي أشرت إليها أعلاه ، فإنني أحث جميع الليبيين على الاطلاع على المعلومات العامة حول فيروس كورونا المستجد المقدّمة من منظمة الصحة العالمية على الرابط (https://www.who.int/ar ) ومن المركز الوطني الليبي لمكافحة الأمراض (https://ncdc.org.ly/). لقد أصاب فيروس كورونا المستجد بالفعل أكثر من 500,000 نسمة وفتك بأكثر من 25,000 في جميع أنحاء العالم إلى حد الآن، وهو يهدّد استقرار دول ومجتمعات بأكملها. وعلينا جميعا أن نعمل بروح المسؤولية والتضحية والتعاون لمجابهة هذا الخطر الداهم الذي يهدّد إنسانيتنا المشتركة وإلحاق الهزيمة به.

ريتشارد نورلاند
سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا